فخر الدين الرازي

468

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

التلاوة لا يمنع التأخر في النزول ، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول ، وإنما ترتيب التلاوة في المصاحف هو ترتيب جبريل بأمر اللّه تعالى . المسألة الثامنة : اختلفوا في أن هذه العدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة ، فقال بعضهم : ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة ، واحتجوا بأنه تعالى قال : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ولا يحصل إلا إذا قصدت هذا التربص ، والقصد إلى التربص لا يحصل إلا مع العلم بذلك ، والأكثرون قالوا السبب هو الموت ، فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى ، قالوا والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة . المسألة التاسعة : المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح ، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه : والامتناع عن التزين وهذا اللفظ كالمجمل لأنه ليس فيه بيان أنها تتربص في أي شيء إلا أنا نقول : الامتناع عن النكاح مجمع عليه ، وأما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب إلا عند الضرورة والحاجة ، وأما ترك التزين فهو واجب ، لما روي عن عائشة وحفصة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا » وقال الحسن والشعبي : هو غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه واللّه أعلم . واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « وتلبثي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت » . المسألة العاشرة : احتج من قال : إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع بقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ فقوله : مِنْكُمْ خطاب مع المؤمنين ، فدل على أن الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط . وجوابه : أن المؤمنين لما كانوا هم العاملين بذلك خصهم بالذكر كقوله : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [ النازعات : 45 ] مع أنه كان منذرا للكل ، لقوله تعالى : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] . وأما قوله تعالى : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فالمعنى إذا انقضت هذه المدة التي هي أجل العدة فلا جناح / عليكم قيل الخطاب مع الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد ، وقيل : الخطاب مع الحكام وصلحاء المسلمين ، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع ، فإن عجز وجب عليه أن يستعين بالسلطان ، وذلك لأن المقصود من هذه العدة أنه لا يؤمن اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول ، وفي الآية وجه ثالث وهو أنه لا جناح عليكم تقديره : لا جناح على النساء وعليكم ، ثم قال : فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي ما يحسن عقلا وشرعا لأنه ضد المنكر الذي لا يحسن ، وذلك هو الحلال من التزوج إذا كان مستجمعا لشرائط الصحة ، ثم ختم الآية بالتهديد ، فقال : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ بقي في الآية مسائل : المسألة الأولى : تمسك بعضهم في وجوب الإحداد على المرأة بقوله تعالى : فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة بفعله ، والنكاح ليس كذلك ، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما . المسألة الثانية : تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في جواز النكاح بغير ولي ، قالوا : إنها إذا زوجت